صحيفة عالم محايل الإلكترونية | وقفة مع قصيدة همسة وطن .. للشاعر علي رديش دغريري        
بحث التسجيل دخول

مقالات

صحيفة عالم محايل الإلكترونية صحيفة عالم محايل الإلكترونية

بقلم للدكتور/ زياد محمود مقدادي | أستاذ الأدب العربي ونقده المساعد جامعة الملك خالد

 

بينما أنا مع بعض المجموعات الشّعريّة المكتظّة في رفوف مكتبتي أمسكت إحداها، وإذا عنوانها (بين الزّحام)، وكأنّه عنوانٌ يحاكي هذا الازدحام الملموس، أمّا الزّحام الذي قصده الشاعر فلعله وفّق باختياره عنوانًا لمجموعته الشعرية المشار إليها، وبعد أن تصفحت محتويات هذه المجموعة وقرأت قصائدها وجدتُ أنّ كمًا من المشاعر التي تفيض بها ذات الشاعر، وهي مشاعر تلقي ظلالها على المتلقّي عند قراءته المجموعة، وجاءت هذه المشاعر متنوعة بين المحبّة والوفاء والاعتذار… . وهذا ما جعل العنوانَ برأيي موافقًا لمضمون العمل؛لأنّ طريقة صياغة العنوان تقوم على براعة المبدع سواءً أكان هذا العنوان للديوان أم عنوانًا للقصيدة” (موسى ربابعة، جماليات الأسلوب والتلقي: 163).

 

بين الزّحام مجموعةٌ شعرية أُهديتُها بتوقيع من الأديب الأستاذ الفاضل علي رديش دغريري لدن تلبيتي دعوةً كريمة من سعادة رئيس نادي جازان الأدبيّ الأستاذ حسن الصلهبيلحضور فعاليات مهرجان القصيدة الوطني الثاني الذي نظّمه نادي جازان الأدبي عام 1441هـ.

 

وعندما بدأت تقليب صفحات هذه المجموعة رأيت دلالاتٍ واضحةً في عنواناته المسرودة في صفحة محتوياته، وكانت القصيدة الأولى بعنوان: (همسة للوطن)، وهو عنوان يكاد يكون متقاربًا مع عنوانات أخرى متداولة لدى كثير من  الشعراءالقدماء والمحدثين الذين تغنَّوا بأوطانهم.

 

همسةٌ للوطن، نصٌ أنعشَ الذاكرة فأعادني إلى جمال آخّاذ، ليس جمالاً نسويًا أو جمال الطبيعة، إنّه جمال المناسبة التي التقيتُ خلالها بصاحب هذه القصيدة، إنّه جمال الإبداع والقول والكلمة، وأيقنتُ عندئذٍ أنّ ثمة امتدادًا شعريًا أدبيًا في منطقة جازان، وربطت إبداع الشاعر علي دغريري بالمناسبة التي عشت تفاصيلَها الجميلة، فشهدتُ خلالها حراكًا ذا جذور متأصّلة في التاريخ الأدبيّ العربيّ، وأراني ذُهلتُ لحدث أدبيّ كان أشبه بقصة شعريّة متكاملة، شخوصُها أبناء جازان وبناتها، مكانها رحاب جازان حيث نادي جازان الأدبيّ، أما زمانُها فلا تقيّده عقاربُ الساعة، وأحداثُها نشاط مستمر وحراكٌ أدبيّ وفرحة باسمة، وغايتها ردّ الجميل لهذا الوطن. كلّ ذلك قدّمه شباب جازان وشاباته، شعراء المستقبل وشواعره.

 

أمّا (همسة للوطن) فهي قصيدة وطنية، وعلى الرغم من أنّها ليست من قصائد هذا اللقاء فإنّها كانت تحاكيه قلبًا وقالبا، فعنوانها تركيب من ثلاث كلمات (همسة + لام الجرّ + الوطن)، ويحمل هذا العنوان دلالة خاصة تولّدت من العلاقة بين المسند (للوطن) والمسند إليه (همسة)، حيث قدم الشاعر الهمسة التي تعني (الصوت الخفي، أو التمتمة، أو الرقة في الصوت)، وقد اختصّ كرسالة مهداة للوطن، وظهر ذلك باستخدام  (لام الجر) التي أفادت الاختصاص.

 

وبدأ النّصّ بتفريغ دفقة عاطفية قويّة، تحمل في طياتها صدق انتماء ومحبّة، وتعكس وفاءً للوطن، وذلك بقوله:

 

وطني أتيتُ أصوغ نبض

خواطري

وأبث بعض مشاعري

وشعوري

 

افتُتِحَ النّص بجمل خبريّة تؤكّد حبّ الشاعر وطنَه، ونلحظ أنّ المطلع عكس هدوءًا يتواءم مع الرقة التي يرمز إليها العنوان، ومصدر الرقة حالة الحب المكنون داخل الذات المبدعة، وتتلو هذا الهدوء النفسي صرخةٌ استفهامية تؤكده، حيث قال:

 

أو لستُ منكَ؟

ألستَ مهدَ أرومتي؟

ومرابع الأمجاد منذ عصور

أنا من ثراك

 

يخاطب الشاعر وطنه ويحاوره، وكأنّه يعلّل حبًّا شديدًا، مبينًا أنّ مبعث الحبّ عائد إلى علاقة الجزء بالكل، والفرع بالأصل، فالشاعر جزءٌ من وطنه، والوطن أصله ودار مجده.

 

ويواصل الشاعر وصف العلاقة المتينة بينه وبين وطنه، مبينًا أنّ هوى الوطن موزع ومشاع بين عاشقيه، وقد ظفر الشاعر بجزء من هذا الهوى كغيره من أبناء الوطن، فقال:

 

فلي نصيب في الهوى

خيري لمنك

ثم يرسم دواعي هذا الحبّ، فيقول:

ومن ثراك جذوري

وعلى رباك الطهر

كللها الندى

بيتي الصغير

وملعبي وغديري

 

ذكر الشاعر أنّ جذوره تمتد في هذا الوطن وتتعمق فيه، ما جعله يتغنّى به ويهمس إليه صدق مشاعره، مبينًا أنّه قضى حياته في جنبات الوطن، فكان مرتعَ أحلامه بين أهله وأقرانه، حتى أصبح حبّ الوطن في وجدانه فطريًا.

 

وبهدوء الحبّ وجمال اللّفظ يأخذ الشاعر بيد المتلقّي ليطلعَه على ما بداخله من هوًى دفين، مستخدمًا أسلوب النداء، قائلاًفي المقطع الثاني من القصيدة:

 

وطني ترابك في سواد

نواظري

كُحلي

ومور العاصفات

عبيري

أهواك ممطور الجهات

ومجدبًا

أهواك في الأرجاء

لفحُ هجير

بدمي أذود وأفتديك

بمهجتي

هذا الذي بيدي

وفي مقدوري

أقسمت أن أحيا لأرضك

واهبًا

عمري، وأدفن

في ثراك مصيري

يركّز الشاعر في هذا المقطع الذي يمثل جزء القصيدة الثاني معلنًا حبّه العميق، ومصورًا تراب الوطن كحلاً يجمّل ناظريه، ثم يشبّه اضطراب العاصفات بعبق جميل ذي رائحة ذكيّة تفوح فتنعش روحه، وللتعبير عن عمق هذا الحبّ فإنّ الشاعر يلجأ إلى أسلوب التضاد بقوله: (أهواك ممطور الجهات… ومجدبًا)، فالعبارة تبيّن أنّ الشاعر محبٌّ وطنه بكل أحواله ونواحيه، خصبًا كان أم مجدبًا. فكان هذا الحبّ مبعثًا وسببًا لافتداء الوطن بالنفس، مقسمًا في الوقت ذاته أن يقضي فيه كلّ حياته.

 

وهكذا، وبهذه الوقفة المتعجّلة يبدو من خلال هذا النّص جمال أسلوب الشاعر الذي اعتمد خلاله على تنويع في الأساليبالفنّية، وتوظيف الصور والأشكال البلاغية المختلفة، وقد بدتالألفاظ مألوفة وواقعية، وكانت بعيدة عن الغرابة والغموض، ما جعل النّص ينطق بذاته ويعبّر عما فيه من أفكار ودلالات.

 

ويبقى هذا النّص – كغيره من النّصوص الإبداعية التي صاغها أبناء جازان تحوي خطابًا شعريًا عاطفيًا يعبّر عن صدق الانتماء وحبّ الوطن، ما يؤكّد أنّ هوى الوطن لدى أبنائه متجذر ومتأصل حتى بات الحديث عنه دارجًا ومتواصلا.

1+
186 0

التعليقات : 0


    أضافة تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    المزيد

    أنْفَاسٌ بصَدْري

    0 248

    ياخالد الفيصل نصف شعرك الغرس

    0 576

    فلتهنأ بالنجاحات ولتسعد بالعطاءات وهذه بعضا من الاقتراحات

    0 369

    لا تغضب..!

    0 347
    error: سبحان الله والحمد الله ولا إله الا الله والله اكبر